قبل 31 عاما، وتحديدا خلال الركوع الأول لصلاة فجر يوم الجمعة 25 فبراير/شباط 1994، الموافق 15 رمضان 1414 هجرية، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة داخل المسجد (الحرم) الإبراهيمي، في مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، بحق المصلين أسفرت عن 29 شهيدا، وعشرات الجرحى.

وفور وقوع المجزرة، تداعت مؤسسات الاحتلال العسكرية وتشكلت لجنة “شمغار” للتحقيق في ظروف المجزرة التي نفذها المستوطن باروخ غولدشتاين، من مستوطنة كريات أربع المقامة على أراضي المدينة.

تقسيم مكاني وزماني

منذ تشكيل اللجنة، كان واضحا انحيازها للجاني على حساب الضحية، إذ قررت إغلاق قلب الخليل بالكامل وتم الاستفراد بالمسجد والتدرج في الهيمنة عليه. وجاء القرار الأبرز بعد 6 أشهر من إغلاقه، باقتطاع نحو ثلثيه من الجهة الشمالية، وتحويله إلى كنيس يهودي، وفيه تقع غرفة الأذان.

إضافة إلى التقسيم المكاني، قررت اللجنة تقسيم المسجد زمانيا، فمنعت المسلمين من دخول أي جزء منه خلال فترة 10 أيام في العام، وهي أيام مناسبات وأعياد يهودية، مقابل منع دخول اليهود 10 أيام خلال مناسبات وأعياد إسلامية.

وتاليا، مضت سلطات الاحتلال في سياساتها من دون حسيب أو رقيب، أو الأخذ بعين الاعتبار أهمية المكان التاريخية والقانونية، فأحاطت المسجد بالحواجز العسكرية المأهولة، وأقامت على مدخله بوابات إلكترونية.

وفي تحد واضح لوزارة الأوقاف الفلسطينية المسؤولة عن المسجد، واصلت سلطات الاحتلال تغيير معالم المسجد بإقامة مصعد كهربائي وجسور وطرق لخدمة المستوطنين، والقيام بحفريات في المسجد ومحيطه وأسفل المنطقة المحيطة به.

ما الجديد؟

لكن الجديد الذي أبلغ به الارتباط الإسرائيلي -وهي جهة اتصال رسمية مع السلطة الفلسطينية- إدارة المسجد هذا الأسبوع هو أن الأعمال في الحرم قد تم نقلها من وزارة الأوقاف الفلسطينية إلى ما تسمى هيئة التخطيط المدني الإسرائيلي.

وبموجب القرار “سيتم استئناف العمل بسقف المنطقة المعروفة باسم الصحن الخاص بالحرم الإبراهيمي”.

وكان مستوطنون وضعوا خيمة في الصحن، وهو منطقة مكشوفة في الجزء الخلفي المسيطر عليه من المسجد، وخصصوها مكانا للعبادة وبقيت قائمة حتى اليوم، حيث يطالب المستوطنون بسقف الصحن.

وبالفعل، شرعت قوات الاحتلال في سقف الصحن بألواح الزينكو في التاسع من يوليو/تموز 2024، لكنها أوقفت العمل بعد يومين، إثر اعتراض فلسطيني.

وبالتوازي مع ذلك، تلاحق سلطات الاحتلال موظفي الأوقاف، كان آخرها أول أمس الاثنين، إذ طردت قوات الاحتلال عددا من موظفي المسجد، ومنعتهم من دخوله ضمن “الهجمة الشرسة التي تستهدف الحرم الإبراهيمي، والتي تصاعدت مؤخرًا باستهداف طواقم الأوقاف وسدنة الحرم”، وفق بيان سابق لوزارة الأوقاف.

وتأتي خطوة الاستيلاء على صلاحيات الأوقاف تتويجا لدعوات أعضاء الكنيست إلى تأميم المسجد، والسّيطرة عليه وإخضاعه إخضاعا كاملا للسيادة الإسرائيليّة، بينهم عضو الكنيست عن حزب الليكود أفيخاي بوارون، الذي صرح في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قائلاً “سنأخذ مغارة المكفيلة (الحرم الإبراهيمي) مترًا بمتر. لدينا وزير دفاع جيد وأصدقاء في الخارج، وهذه فرصتنا”.

بوابات إلكترونية يضطر المصلون لعبورها على أبواب المسجد الإبراهيمي (الجزيرة)

ملكية إسلامية

وفي بيان وصلت إلى الجزيرة نت نسخة منه، قالت وزارة الأوقاف الفلسطينية إنها صاحبة السيادة على الحرم الإبراهيمي في الخليل، معتبرة أن أي محاولة لتغيير هذا المعلم الديني تعدٍ على مقدس من المقدسات الإسلامية.

وأكد البيان أن مجازر الاحتلال لن تمنحه شرعية أو سيادة على شبر من أرض فلسطين، ولن تفلح في كسر إرادة المقاومة دفاعا عن الأرض والمقدسات.

وشددت الأوقاف على أن المسجد “ملكية وقفية خالصة للمسلمين ولا يحق لأي كان، مهما امتلك من قوة، العبث فيه وتغيير معالمه، أو يسعى بأي شكل من الأشكال لطمس هويته الدينية وتهويد ما تبقى من أجزائه”.

مكان وقوع المجزرة في القسم المخصص للمسلمين في مقدمة المسجد الإبراهيمي (الجزيرة)

خرق خطير

في تعليقه على القرار الإسرائيلي، قال مدير مركز القدس الدولي حسن خاطر إنه يأتي في إطار الهيمنة الإسرائيلية على المقدسات الإسلامية، خاصة المسجدين الأقصى والإبراهيمي “وهي سياسة تتوسع بشكل كبير مع محاولة لإضفاء طابع قانوني رسمي عليها”.

وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن “الاعتداءات على الحرم الإبراهيمي كثيرة، فهم يسيطرون فعليا على 75% من مساحته، وذاهبون باتجاه الهيمنة الكاملة ومصادرة صلاحيات الأوقاف المحدودة جدا في المسجد”.

وتابع أن التدخل الإسرائيلي لناحية التغيير العمراني وبناء معلم جديد، فيه محاولة لتغيير المعلم القائم والتاريخي إلى معلم جديد، وهذه خطوة جدا خطيرة ستؤدي بكل تأكيد إلى تفجير الأوضاع ليس في الخليل فحسب، بل في كل الأراضي الفلسطينية.

وأشار إلى أن كل ما يجري من انتهاكات “ليس مجرد إجراءات عشوائية، إنما تنفيذ لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو ووزرائه في اتجاه إقصاء الفلسطيني وتهجيره السيطرة بشكل كامل على مقدراته”.

3- المسجد الإبراهيمي
المدخل الذي يسلكه المستوطنون في طريقهم إلى المسجد ويسمح للمسلمين باستخدامه في المناسبات الدينية (الجزيرة)

خروقات وانتهاكات

من جهته، يقول المدير السابق للمسجد الإبراهيمي الشيخ حفظي أبو اسنينة إن مجموعة انتهاكات وإجراءات إسرائيلية بدأت منذ المجزرة وتستهدف مكانة المسجد التاريخية وهويته الإسلامية مع تغيير معالمه، في خرق واضح للاتفاقيات الدولية.

ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن وزارة الأوقاف الفلسطينية هي المسؤولية عن إدارة المسجد، في حين أن بلدية الخليل هي المسؤولة عن خدماته بما في ذلك الكهرباء والمياه والنفايات، ولا صلاحية للاحتلال في أي تغيير أو القيام بأي عمل إلا بإذن الأوقاف.

وذكر من الانتهاكات أيضا “وجود الاحتلال الجاثم في قلب الحرم، هو أكبر اعتداء عليه، يضاف إلى ذلك منع الأذان ومنع دخول الموظفين وإغلاق الحواجز المؤدية إليه أمام المصلين”.

ومن الاعتداءات أيضا -حسب مدير المسجد السابق- إقامة حفلات صاخبة في محيط المسجد وداخله.

ولفت إلى أن المسجد الإبراهيمي يتسع لنحو 5 آلاف مصل، لكن مع إجراءات الاحتلال لا يصلي فيه في الأيام العادية سوى العشرات، وأيام الجمعة قرابة 200 فقط.

وفي يناير/كانون الأول الماضي، منع جيش الاحتلال رفع الأذان 47 وقتا، في حين منع إقامته 674 مرة وأغلقه 10 مرات خلال 2024، وفق معطيات وزارة الأوقاف.

كما نصب ما يسمى الشمعدان والأعلام الإسرائيلية على سطح وجدران المسجد، وأقيمت حفلات صاخبة وصلوات تلمودية في القسم المغتصب منه، وفق المعيطات ذاتها، التي أشارت إلى مشاركة 3381 جنديًا إسرائيليًا في اقتحامه خلال العام ذاته، “في انتهاك صارخ لحرمة المكان الديني، واستفزازا لمشاعر المسلمين”.

الوضع الديني والسياسي

يعد المسجد الإبراهيمي ثاني أهم المعالم الإسلامية في فلسطين بعد المسجد الأقصى، وينسب إلى النبي إبراهيم الخليل عليه السلام المدفون فيه قبل 4 آلاف عام.

بينما يدعي اليهود أنه مكان يهودي مقدس كونه يضم أضرحة النبي إبراهيم وسلالته، مما يجعلها في نظر بعضهم أكثر قدسية حتى من مدينة القدس المحتلة.

ووفق “بروتوكول الخليل” عام 1997، تسلمت السلطة الفلسطينية أجزاء من مدينة الخليل أطلق عليها “خ1” وتشكل 80% من مساحة المدينة، في حين تواصلت السيطرة الإسرائيلية على القسم المتبقي “خ2” وفيه تقع البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي، وتنتشر عدد من البؤر الاستيطانية.

ووفق البروتوكول ذاته، يتعهد الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي بـ”المحافظة على حماية الطابع التاريخي للمدينة بطريقة لن تضر أو تغير طابع أي جزء من المدينة”، لكن الواقع يشهد بعكس المذكور.

وعلى إثر مجزرة 1994 تشكلت بعثة الوجود الدولي المؤقت في مدينة الخليل من 64 موظفا دوليا من الدانمارك والنرويج وإيطاليا والسويد وسويسرا وتركيا، إلى جانب 20 موظفا محليا وبدأت عملها على الأرض عام 1997، لكن في عام 2019 أنهى رئيس الوزراء الإسرائيل بنيامين نتنياهو عملها.

وفي عام 2017 تكللت الجهود الفلسطينية بقرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) عام 2017 إدراج البلدة القديمة في الخليل -بما في ذلك المسجد الإبراهيمي- في لائحة التراث العالمي.

شاركها.
© 2025 خليجي 247. جميع الحقوق محفوظة.