في مارس/آذار، صرح الأدميرال جيمس ستافريديس القائد الأميركي الأسبق لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بأننا “نشهد الأيام الأخيرة لحلف الناتو الذي كانت أميركا عضوًا مؤسسًا فيه”، وقد عزا ذلك إلى أن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد حليفًا موثوقًا به.

لم تكن تصريحات ستافريديس استثنائية، ففي عام 2020 وقبل أن ينهي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولايته الأولى، قال لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن “حلف الناتو قد مات” والولايات المتحدة الأميركية ستنفصل عنه عاجلًا أم آجلًا.

لم تأخذ الدول الأوروبية تصريحات ترامب بجدية، بل اعتبرت وجوده في البيت الأبيض مجرد أزمة عابرة ستمر مرور الكرام بنهاية فترة رئاسته، هذا قبل أن يعود إلى البيت الأبيض مؤخرًا بفترة رئاسية جديدة ودعم شعبي كبير في الانتخابات الأخيرة.

عزز كل ما سبق موقف ترامب ودفعه لاتخاذ مجموعة من الإجراءات التي أظهرت ميلا نحو دعم روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، وهو ما ظهر جليًّا في اجتماع 28 فبراير/شباط، عندما ذهب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى البيت الأبيض للقاء دونالد ترامب، في محاولة لنيل دعم الإدارة الأميركية الجديدة واستمرار ضخ المساعدات العسكرية لكييف.

هذا اللقاء لم يلبث أن اتّخذ منحى مختلف تمامًا وتحول إلى مشادة كلامية أمام الكاميرات، علقت على إثرها واشنطن المساعدات العسكرية لكييف، كما توقفت عن تقديم المعلومات الاستخبارية، التي تشكل قدرة أساسية ستحتاج إليها كييف في حال استمرت الحرب وانهارت اتفاقيات السلام، وفي أثناء ذلك، تعمد ترامب إقصاء حلفائه الأوروبيين من المفاوضات الدائرة بين واشنطن وموسكو بشأن الملف الأوكراني.

الرئيس الأميركي ترامب أثناء لقائه العاصف بالرئيس الأوكراني زيلنسكي نهاية فبراير/شباط الماضي في البيت الأبيض. (رويترز)

ترتب على إثر ما سبق حالة من الانزعاج الشديد لدى القادة الأوروبيين ومخاوف من عدم الالتزام الأميركي بالمهام الدفاعية المتعلقة بالمادة الخامسة من معاهدات حلف شمال الأطلسي، التي يُنظر إليها باعتبارها ضمانة الأمن الأساسية في الناتو، وهي المادة التي تنص على أنه إذا وقع اعتداء على إحدى الدول الأعضاء فسيعد هذا الهجوم موجهًا نحو جميع الأعضاء.

على مدار عقود، اعتمدت القارة الأوروبية بشكلٍ متزايد على المظلة الدفاعية التي وفرتها الولايات المتحدة الأميركية، وعلى إثر ذلك تقلصت ميزانيتها العسكرية، وأصبحت الدول الأوروبية أكثر اعتمادًا على قدرات الاتصالات والاستخبارات الأميركية، وهو ما ترك أوروبا في وضع شديد التعقيد في حالة الانسحاب الأميركي، وهو الوضع الذي لم تكن أوروبا تعتقد أنه سيحل واقعا.

يقول عن ذلك الأدميرال ستافريديس، إن أوروبا لكي تعبر هذه المرحلة فإنها بحاجة إلى “تأسيس قوات مسلحة مشتركة وهيكل قيادة خارج حلف الناتو”. وهو الرأي الذي يوافقه فيه باحثون وخبراء أوروبيون طالبوا بإعادة النظر في مسألة تأسيس جيش أوروبي موحد يتولى مسؤولية الدفاع عن القارة العجوز ويضمن استقلالها الدفاعي سواء اختار الأميركيون الانسحاب من الحلف الأطلسي أو البقاء فيه.

ترامب وبوتين

بعد انتصار الحلفاء على ألمانيا عام 1945، واجهت دول أوروبا في ذلك الوقت خطر توسع الاتحاد السوفياتي، فكان لدى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية هدف مشترك يتمثل في الوقوف بوجه التمدد “الشيوعي”، الأمر الذي ترتب عليه تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949 وهو تحالف عسكري يضم 12 دولة حينها.

وبالرغم من انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات، فإن الناتو واصل توسعه ليضم دولًا من أوروبا الشرقية كان بعضها أعضاء في “حلف وارسو” السوفياتي قبل أن يتفكك رسميًّا في يوليو/تموز 1991، وهي بولندا والمجر والتشيك وألبانيا وبلغاريا ورومانيا، وبحلول نهاية عام 2024 وصل عدد الدول الأعضاء إلى 32 دولة.

التزمت الولايات المتحدة الأميركية بواجباتها اتجاه الناتو لعقود من الزمن، اعتبرت خلالها واشنطن وبروكسل ركائز “الحضارة الغربية” كما نعرفها، إلا أن الهدف الذي جمع أميركا مع أوروبا الغربية في أربعينيات القرن الماضي لم يعد قائمًا، ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض تأججت الخلافات التي طالما دفنت تحت الرمال بين حلفاء الأطلسي.

أمريكا وأوروبا 🇺🇸🇪🇺  ما جذور الخلافات خلف مشهد التوافق الظاهري بينهما؟

رفع ترامب منذ ولايته الأولى شعار “أميركا أولًا”، كما ساوم الأوروبيين على الدفاع عن القارة العجوز مقابل زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة لا تقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة التي ارتفعت في تصريحات ترامب الأخيرة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك لتفعيل خطط الناتو لتأمين دفاع أوروبا في ظل التهديدات الروسية.

وفي فبراير/شباط، صرح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأن مسؤولية الدفاع عن أوروبا لا ينبغي أن تقع على عاتق الولايات المتحدة الأميركية وحدها، بل على الدول الأوروبية أن تتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها.

ورغم أن بعض الدول الأوروبية الكبرى مثل إيطاليا وإسبانيا، لم يتخطّ إنفاقها الدفاعي حاجز الـ2% التي حددها الناتو عام 2014 ردًّا على مهاجمة روسيا لشبه جزيرة القرم، فإن الأمين العام للحلف مارك روته دعا في الشهور الأخيرة لزيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة تتجاوز 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك في إطار استعادة قوة ردع الناتو، خاصة أن هزيمة أوكرانيا في الحرب أمام روسيا تضعف من قوة الحلف وقد تكلف الناتو التريليونات لاستعادة مصداقيته وقوته على الردع.

جاءت هذه التصريحات مصحوبة بمجموعة من الإجراءات والسياسات التي اتخذتها إدارة دونالد ترامب، كان آخرها حرب الرسوم الجمركية بين أميركا والاتحاد الأوروبي، حيث أعلن ترامب زيادة جمركية بنسبة 25% على الصلب والألومنيوم، وهو ما قابلته بروكسل بزيادة جمركية مماثلة على منتجات أميركية مستوردة مثل القوارب والدراجات النارية.

وفي فبراير/شباط نقلت صحيفة “بيلد” الألمانية مخاوف المسؤولين الأوروبيين من أن يقلص ترامب الوجود الأميركي في أوروبا إذا ما توصل لاتفاق مع بوتين، وأشارت الصحيفة إلى أن القوات الأميركية تستعد بالفعل للانسحاب من كوسوفو الإيطالية، كما أن هناك احتمالًا لسحب القوات الأميركية الموجودة في دول البلطيق؛ مما يترك أوروبا دون حماية تذكر أمام التهديدات الروسية.

عن ذلك يقول جيمس فينيل المستشار الحكومي البريطاني السابق، إن تغيير مسار السياسة الأميركية لتتجه نحو آسيا ومنطقة المحيط الهادي بعيدًا عن أوروبا الديمقراطية كان أمرًا واضحًا منذ عقد من الزمان، إلا أن بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي فضلوا ببساطة عدم تصديق هذه البراهين، حيث كان لديهم اعتقاد راسخ بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن حلفائها الأوروبيين.

نفس الأمر تناوله تقرير وكالة “أسوشيتد برس” الأميركية، عندما أشار إلى أن كبار المسؤولين في إدارة ترامب الحالية أوضحوا بشكلٍ لا يدع مجالا للشك أن مصلحة الولايات المتحدة وأولوياتها تكمن على طول الحدود الجنوبية للولايات المتحدة حيث آسيا والمحيط الهادي، أما أوروبا فعليها حماية نفسها، بما في ذلك أوكرانيا.

ويقول الصحفي البريطاني جورج مونبيوت في مقالٍ نشرته صحيفة “الغارديان”، إن روسيا في الوقت الحالي لا تشكل أي تهديد للهيمنة الأميركية، على عكس الاتحاد الأوروبي باقتصاده المشترك وحضوره الدبلوماسي والسياسي العالمي الذي بإمكانه أن يهدد هيمنة أميركا.

أشار مونبيوت إلى أن اتفاق ترامب مع الرئيس فلاديمير بوتين لن يتوقف عند عدم دعم أوكرانيا، بل قد يصل إلى حد تقديم المساعدة والدعم الأميركي لروسيا، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخبارية، وإيقاف خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية في أوكرانيا وإتاحتها للقوات الروسية، وفي أسوأ السيناريوهات، ستقدم واشنطن الدعم المالي والمعدات العسكرية الأميركية لموسكو.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب (الثاني من اليمين) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (الثالث من اليمين) (مواقع التواصل)

حرب روسية على الأبواب

في أعقاب اللقاء الكارثي للرئيس زيلينسكي في البيت الأبيض، عدّ البعض هذا الاجتماع بداية مرحلة جديدة تبدو فيها الولايات المتحدة الأميركية حليفًا لروسيا، خاصةً بعد أن همشت حلفاءها الأوروبيين القدامى من محادثات السلام الأوكرانية.

ولم تمض سوى أيام قليلة حتى أعلن الرئيس الأوكراني استعداد بلاده للجلوس إلى طاولة المفاوضات تحت القيادة الأميركية القوية، وتقبلت كييف على مضض إبرام صفقة المعادن التي تقايض ثروات أوكرانيا الأرضية بتدفق المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة، وهو ما اعتبره البعض انتصارًا لروسيا في الحرب وهزيمة لأوكرانيا.

يمثل خروج روسيا منتصرة من هذه الحرب تهديدًا يزعزع استقرار القارة العجوز، كما يثير هذا التقارب الأميركي الروسي مخاوف حلفاء الناتو الأوروبيين، لا سيما بعدما حذرت عدة تقارير بحثية من أن انتصار روسيا قد يفتح شهية الكرملين نحو مهاجمة إحدى دول الناتو.

وقد كان من بينها تقرير مركز “بروغل” للأبحاث بالتعاون مع معهد “كيل” للاقتصاد العالمي الصادر في فبراير/شباط، الذي حذر من احتمال أن تواجه أوروبا عدوانًا روسيًّا في غضون ما بين 3 و10 سنوات، وقد سلط التقرير الضوء على ضرورة رفع درجة جاهزية الدول الأوروبية لتكون مستعدة للدفاع عن نفسها.

تشير العديد من التقارير إلى أن الجيش الروسي خرج من الحرب الأوكرانية منهكًا وهزيمته لن تكون بالأمر العسير، وبالرغم من ذلك يجادل تقرير مركز “بروغل” بأن القوات الروسية في الوقت الحالي أقوى مما كانت عليه عام 2022 في بداية الحرب على كييف.

إذ ساهمت هذه الحرب في منح الجيش الروسي خبرة لا تقدر بثمن في ساحات المعارك، ولا يمكن مقارنتها بخبرة الجيوش الأوروبية التي لم تخض حربًا كبرى منذ سنوات، وذلك باستثناء الجيش الأوكراني الذي خاض الحرب نفسها.

ففي نهاية عام 2024، بلغ عدد القوات الروسية في أوكرانيا قرابة 700 ألف جندي، وازدادت ميزانية الإنفاق الدفاعي لأول مرة في تاريخ روسيا إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تسارعت وتيرة الإنتاج الدفاعي، إذ شهد إنتاج الدبابات زيادة بنسبة 220%، حيث أنتج الكرملين في عام 2024 وحده 1550 دبابة، و5700 مركبة مدرعة وهي زيادة بنسبة 150%، هذا إلى جانب 1800 قطعة من ذخيرة “لانسيت” المتسكعة، وهي مسيّرات انتحارية طورتها شركة “زالا” (Zala) الروسية، ويصل مداها إلى 2000 كلم، وتبلغ سرعتها القصوى 300 كلم في الساعة.

في المقابل، قدم مركز بروغل تقديرات أولية للأسلحة والقوات التي تحتاج إليها أوروبا من أجل ردع الغزو الروسي المحتمل، وهو ما تناولته مجلة “ذا ويك”  في مارس/آذار الفائت، مشيرة إلى أن هناك تركيزًا من قبل القادة الأوروبيين في الوقت الحالي على الاستقلال عسكريا عن الولايات المتحدة، سواء من خلال إعادة التسليح أو بناء القدرات الدفاعية.

هناك بالفعل قرابة 100 ألف جندي أميركي منتشرين في القارة الأوروبية، وإذا شن الجيش الروسي هجومًا على إحدى الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي فمن المفترض أن تقوم الولايات المتحدة بتعزيز هذه القوات بنحو 200 ألف جندي أميركي إضافي؛ مما يعني أنه في حالة غياب القوات الأميركية ستكون أوروبا بحاجة إلى زيادة قدراتها القتالية بقرابة 300 ألف جندي وهو ما يعادل 50 لواءً عسكريًّا إضافيًّا.

الأمر الذي يشكل تحديًا كبيرًا سواء على مستوى القوة القتالية أو القيادة الموحدة والتنسيق، حيث يشير مركز “بروغل” إلى أن القوة القتالية للجنود الأميركيين القادمين من جيش واحد خضع لتدريبات موحدة على معدات عسكرية واحدة، تختلف بالفعل عن القوات الأوروبية المكافئة التي سيجري استدعاؤها من مختلف جيوش الاتحاد الأوروبي وتفتقر إلى التنسيق والقيادة الموحدة.

أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية تعتمد على ميزانية دفاعية ضخمة بلغت 860 مليار دولار في 2024، وهي أكثر من ضعف إجمالي ميزانيات الدفاع لجميع أعضاء الناتو الآخرين، وهو ما يجعل أوروبا بحاجة إلى زيادة ميزانية الإنفاق الدفاعي السنوية بما يعادل 250 مليار يورو على الأقل، في حالة غياب القوات الأميركية.

ووفقًا لتقرير مركز بروغل، فإن ردع غزو بري روسي قد يتطلب 1400 دبابة، و2000 مركبة قتال مشاة، و700 قطعة مدفعية، وهو أكثر مما تملكه القوات البرية الفرنسية والألمانية والإيطالية والبريطانية مجتمعة.

هذا إضافة إلى الذخائر، فأوروبا بحاجة إلى مليون قذيفة من عيار 155 ملم لتغطية 90 يومًا من القتال المكثف، فضلًا عن ضرورة إنتاج 2000 ذخيرة طويلة المدى سنويًّا من الطائرات المسيّرة، وذلك لمضاهاة وتيرة إنتاج المسيّرات الروسية.

 

 

هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها دون أميركا؟

“إذا أصبحت الولايات المتحدة العدو، فقد اخترقت بالفعل حدود البلاد”

  • الصحفي البريطاني جورج مونبيوت

بهذه الكلمات افتتح جورج مونبيوت مقاله في صحيفة الغارديان، قائلًا إنه سيطرح السؤال الذي يخشى الجميع طرحه، ماذا لو كان على أوروبا الدفاع عن نفسها أمام الولايات المتحدة الأميركية؟

وفي تحليله تناول مونبيوت مسألة الاعتماد البريطاني المفرط على واشنطن في مسألتي الدفاع والأمن، كما ناقش معلومات غاية في الخطورة جعلت الدفاع البريطاني يبدو أكثر هشاشة مما هو ظاهر، قائلًا إن الحل لخروج بريطانيا من هذا المأزق يكمن في التخلي التام عن أسلحتها وأنظمة الاتصالات والاستخبارات الحالية وإعادة التسليح بأنظمة عسكرية وأمنية ذات سيادة، وإذا كان الانفصال عن الولايات المتحدة يبدو أمرًا صعبًا ومكلفًا في الوقت الحالي، فإن الفشل في تحقيق هذا الاستقلال ستدفع بريطانيا ثمنه باهظًا في المستقبل.

تمتلك الولايات المتحدة ما بين 11 و13 قاعدة عسكرية في المملكة المتحدة، ويجادل مونبيوت في مقاله بأنه إذا دعمت أميركا روسيا ضد بريطانيا وأوروبا فقد تتحول هذه القواعد عمليًّا إلى محطات تجسس روسية.

مثل قاعدة “لاكنهيث” النووية في سوفولك التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني التي تديرها الولايات المتحدة منذ عام 1951، وقاعدة الاستخبارات “مينويث هيل” شمال يوركشاير، التي توصف بأنها منشأة تجسس تابعة لوكالة الأمن القومي الأميركية (NSA)، وقاعدة كراوتون التابعة لسلاح الجو البريطاني وتديرها جزئيًّا وكالة المخابرات المركزية (CIA) ويُزعَم أنها استُخدمت في التجسس على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عام 2013.

وفي ذكر الشراكة البريطانية الأميركية، يقول مونبيوت إن أغلب نظم الاستخبارات العسكرية البريطانية تعتمد على الولايات المتحدة أو تتعاون معها، وهو ما نتج عنه مشاركة معلومات استخبارية حساسة بشكلٍ تلقائي مع الاستخبارات الأميركية.

وقد كشفت تسريبات إدوارد سنودن عام 2013 عن تجسس أميركا بموافقة الحكومة البريطانية على المواطنين البريطانيين، حيث أدارت الحكومتان بالتعاون مع دول غربية أخرى مجموعة واسعة من برامج التجسس والمراقبة كان أشهرها البرنامج الأميركي لمراقبة الهواتف والإنترنت “بريزما”، ونظيره البريطاني “تيمبورا”.

في هذا السياق، أشارت مجلة “ذا ويك” إلى أن الاستناد المفرط إلى الولايات المتحدة في تنظيم وإدارة العمليات العسكرية والاعتماد على الإمكانات الأميركية في الاتصالات والاستخبارات والخدمات اللوجستية، جعل دفاعات بريطانيا تعاني حالة من الوهن، خاصةً أنه من المقرر أن ينخفض عدد جنود الجيش البريطاني هذا العام إلى أقل من 70 ألف جندي.

وعلى الرغم من أن بريطانيا والولايات المتحدة عملتا معا على مجموعة واسعة من برامج الاستخبارات، فإن وكالة الأمن القومي الأميركية في حقيقة الأمر استخدمت بريطانيا كمتعهد ثانوي.

وفي الوقت الذي تخوض فيه دول العالم سباقات تسلح لا تنتهي، أدى تراجع ميزانيات الدفاع إلى تقليص أعداد الجيوش الأوروبية، وإطالة عمر المعدات، والتخلي عن القدرات الإستراتيجية؛ مما أضعف الاستقلالية الدفاعية لدول أوروبا، فأصبحت الدول الأوروبية غير قادرة على العمل بمفردها في ساحات الحرب الخمس: (البر والبحر والجو والفضاء والفضاء الإلكتروني).

وفي هذا الصدد يشير جيمس فينيل في تقرير صادر عن مركز تحليل السياسات الأوروبية (CEPA) في فبراير/شباط، إلى أن تراجع مظلة الدفاع الأميركية جعل الدفاع البريطاني يعود إلى الحالة التي كان عليها قبل عام 1945، كما أنه ترك فراغًا كبيرًا في قيادة الغرب، وأصبح على بريطانيا وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي العمل من أجل سد هذا الفراغ، ولهذا فهي بحاجة إلى تأمين قيادة عسكرية إستراتيجية وتطوير صناعة الدفاع الأوروبي قدر المستطاع، حتى يتمكنوا من استيعاب الواقع الأمني الجديد.

أما بشأن الأسلحة البريطانية، فيشير مونبيوت إلى أن مدى استقلاليتها التشغيلية عن الولايات المتحدة الأميركية يبدو مبهمًا وغير واضح، فالمملكة المتحدة تعتمد على المقاتلات الأميركية الشبحية “إف- 35” التي تتحكم أميركا في بياناتها وبرمجياتها.

كما أن أنظمة الأسلحة تعتمد تقنيات أساسية مثل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) التابع لقوة الفضاء الأميركية، ونظام خدمات الإنترنت (ستارلينك) المملوك لإيلون ماسك، وهو ما دفع مونبيوت إلى التساؤل عن إمكانية عمل هذه الأنظمة دون موافقة واشنطن، وعما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة تعطيلها عن بعد.

لمواجهة هذه التحديات، أعلنت المملكة المتحدة زيادة إنفاقها الدفاعي إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2027، وهو ما يضيف 16 مليار دولار سنويًّا إلى ميزانية الدفاع الحالية البالغة 68 مليار دولار.

كما خصصت ألمانيا أكثر من 100 مليار دولار لتعزيز جيشها بعد الغزو الروسي لأوكرانيا؛ مما رفع ميزانيتها الدفاعية إلى 52 مليار دولار سنويًّا، وبلغت نسبة إنفاقها العسكري 2% من الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة منذ الحرب الباردة، وقد صرح زعيم المحافظين في ألمانيا فريدريش ميرتس في أعقاب فوزه بالانتخابات التشريعية بأن الدفاع الألماني يحتاج إلى 84 مليار دولار سنويًّا على الأقل لتحقيق الأهداف المرجوة، وأنه سيعمل جاهدًا على تعزيز قدرات أوروبا في أقرب وقت ممكن حتى تتمكن تدريجيًّا من الاستقلال عن الولايات المتحدة.

زعيم المحافظين في ألمانيا فريدريش ميرتس. (الأوروبية)

في هذا السياق، نشرت صحيفة “ديفينس نيوز” تقريرًا شمل تقييمات 17 خبيرًا في مراكز أبحاث ومؤسسات أوروبية، تناولوا فيه مسألة الدفاع الأوروبي المستقل، قائلين إن أوروبا بإمكانها بناء أغلب العناصر الدفاعية اللازمة لهزيمة روسيا في غضون خمس سنوات، خاصة أن طموحها هزيمة روسيا وليس مضاهاة قدرات الولايات المتحدة.

واعتبر الباحثون هذا الوقت كافيًا لحل أزمة التمويل المالي التي يعاني منها حلفاء الناتو الأوروبيون والاستعداد لسيناريو غزو روسيا وإحباطه، وذلك وفقًا للباحث بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية ليو بيريا بينيه.

على سبيل المثال، توفر الولايات المتحدة الأميركية مجموعة من القدرات الأساسية التي يعتمد عليها الأوروبيون في ساحات المعارك مثل منظومة القيادة والسيطرة (C2) التي تساعد في تنسيق وتوجيه القوات أثناء العمليات العسكرية، هذا إلى جانب المعلومات الاستخبارية عبر الأقمار الصناعية، ومنظومات الضربات الجوية البعيدة المدى.

هذه القدرات والإمكانات تعد من الأمور الضرورية لهزيمة روسيا في ساحة المعركة، وبدونها ستدفع أوروبا ثمنًا أكثر كلفة للحرب بحسب الدكتور سفين بيسكوب، مدير برنامج أوروبا في العالم ضمن معهد “إيغمونت” الملكي للعلاقات الدولية.

أفاد الخبراء والباحثون أن أوروبا تقترب من امتلاك قدرات معقولة في مجالات الاتصالات العسكرية عبر الأقمار الصناعية، تليها قدرات المراقبة والاستطلاع (ISR) عبر الأنظمة غير المأهولة، وهي قدرات إما متوافرة أو تحتاج أوروبا إلى 3 سنوات لتحصيلها. في حين يحتاج الأوروبيون إلى ما بين ثلاث وخمس سنوات لتطوير كلّ من أنظمة قمع الدفاع الجوي للعدو (SEAD) وأنظمة توجيه ضربات بعيدة المدى، وذلك من أجل أن تصل إلى القدرة اللازمة لمواجهة الغزو الروسي.

أما بخصوص مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR) عبر الأقمار الصناعية، فقد كان الباحثون أقل تفاؤلًا، حيث رأى معظمهم أن أوروبا ستحتاج إلى ما بين خمس وعشر سنوات للوصول إلى قدرة كافية تمكنها من الاستغناء عن الولايات المتحدة في هذا الشأن.

فبحسب تقديرات مايو/أيار 2023، تمتلك الولايات المتحدة شبكة أقمار صناعية متخصصة في الاستخبارات العسكرية تضم 246 قمرًا صناعيًّا، وذلك في مقابل 49 قمرًا صناعيًّا يمتلكها حلفاء الناتو الأوروبيون، من بينها 15 قمرًا صناعيًّا تمتلكها فرنسا وحدها، وتستخدم هذه الأقمار في جمع المعلومات حول قوات العدو والتضاريس وتنسيق العمليات العسكرية.

لهذا السبب يدرس الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي مشروعًا لبناء شبكة أقمار صناعية للاستخبارات العسكرية، حتى يصبح بإمكانه استبدال القدرات الأميركية جزئيًّا في أقرب وقت ممكن، وذلك وفقًا لما ذكرته صحيفة “فاينانشال تايمز”(23) البريطانية.

إنفوغراف إلى كم سنة تحتاج أوروبا لتحصيل القدرات الأميركية؟ (الجزيرة)

الجيش الأوروبي.. حلم قديم أم ضرورة حتمية؟

لطالما كانت فكرة إنشاء “جيش أوروبي” موحد حُلمًا يراود زعماء القارة العجوز منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذا المشروع العسكري واجه اعتراضًا شديدًا من قبل الولايات المتحدة لممانعتها تأسيس قوة دفاعية أوروبية مشتركة تنافس حلف شمال الأطلسي، فكان هذا ضمن الأسباب الرئيسية لتعطل المشروع الأوروبي كل هذه السنوات.

ومن تلك الأسباب كذلك غياب الوحدة الحقيقية بين دول الاتحاد الأوروبي ذاته، واعتبار المشروع يهدد الاستقلالية الوطنية خاصةً أن بعض الدول الأوروبية لا تعطي الأولوية للاستقلال الإستراتيجي، مفضلة الحماية الأميركية على هيمنة الدول الأوروبية الكبرى.

لكن مع تدهور العلاقات الأميركية الأوروبية وزيادة التهديدات الأمنية، عاد الحلُم القديم إلى الواجهة مرة أخرى.

يقول ماكس بيرغمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، إن هذا هو الوقت المناسب ليبدأ الاتحاد الأوروبي في تشكيل جيش مشترك قادر على حماية أراضيه، وهي خطوة متأخرة كان من المفترض أن تبدأ في تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا في اتفاقيات سان مالو عام 1998، عندما اتفقت فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى على ضرورة إنشاء قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن حلف شمال الأطلسي.

وقد تأسست بالفعل هذه القوة العسكرية بعد موافقة المجلس الأوروبي عام 1999، وكان قوامها 60 ألف جندي جرى اختيارهم من جيوش الدول الأعضاء، ورغم ذلك اقتصرت مهام هذه القوة على احتواء الأزمات الخارجية مثل عمليات حفظ السلام وإدارة الأزمات وتقديم المساعدات الإنسانية في أوقات الحروب والكوارث الطبيعية.

وفي عام 2017، اتفق أعضاء الاتحاد الأوروبي باستثناء بريطانيا والدانمارك ومالطا على تشكيل آلية الدفاع الأوروبية الدائمة  (بيسكو)، التي تهدف إلى التعاون الدفاعي بين دول الاتحاد الأوروبي معتبرين إياها خطوة أولى نحو تحقيق الاستقلالية الدفاعية، كما دعا كلّ من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى تأسيس جيش أوروبي موحد عام 2018، حتى تستطيع أوروبا حماية نفسها ومواجهة التهديدات العسكرية القائمة.

ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، شعر قادة الاتحاد الأوروبي بحاجة أكبر إلى تشكيل وحدة عسكرية بإمكانها التدخل السريع ومواجهة أي تهديد تتعرض له دول التكتل الأوروبي، وهي الجهود التي أثمرت “قوة ردع سريع” تابعة للاتحاد الأوروبي قوامها 5 آلاف جندي.

في تقريرٍ نشره معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية (IRIS) في أبريل/نيسان 2019، اعتبر الباحثان فريديريك مورو وأوليفييه جيهين أن مشروع “الجيش الأوروبي” أصبح ضرورة حتمية ملحة، خاصةً في ظل التوجه الأميركي الحالي الذي يعد الناتو شأنًا أوروبيًّا خالصًا، وينتقد الدعم الكبير الذي تقدمه الولايات المتحدة لأوروبا، وذلك بالرغم من أن المرة الوحيدة التي استخدم فيها الناتو بند الدفاع الجماعي كانت لصالح الأميركيين في حرب أفغانستان عام 2001.

في الوقت ذاته، يؤيد 81% من مواطني الاتحاد الأوروبي اتخاذ سياسات دفاع مشتركة بين دول الاتحاد الأوروبي، في حين يتفق 93% منهم على ضرورة التعاون الدفاعي بين دول الاتحاد للدفاع عن القارة، وذلك وفقًا لما كشف عنه استطلاع مؤسسة “يوروباروميتر” التابع للمفوضية الأوروبية عام 2022.

ومع التغيرات التي يشهدها حاليًّا المشهد الجيوسياسي، أصبح الأوروبيون في أمس الحاجة إلى وضع فكرة الجيش الأوروبي الموحد حيز التنفيذ، لكن تبقى هناك بعض التحديات التي تقف عقبة أمام تحقيق أوروبا لاستقلالها الدفاعي، والتي تكمن في شقين أساسيين: أولًا إيجاد التمويل المالي الكافي لمواجهة الوضع الأمني الجديد، وثانيًا تحقيق الوحدة الأوروبية اللازمة للوقوف في وجه خصم مثل روسيا.

حيث أفادت وكالة “أسوشيتد برس” في وقت سابق أن أوروبا تمر الآن بأضعف فتراتها، مع صعود الأحزاب اليمينية المتشددة إلى الحكم في بعض دول الاتحاد الأوروبي، وهو اتجاه مؤيد لروسيا؛ مما يضع القارة العجوز أمام تحديات هائلة لتحقيق وحدتها الدفاعية.

أورد بيرغمان في تقرير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية تصوره المبدئي عن كيفية بناء هذا الجيش المستقل، مقسمًا هذه التحديات إلى مجموعات ذات أمد قصير وأخرى طويلة الأمد، مشيرًا إلى أن أوروبا في الوقت الحالي لا تحتاج إلى بناء قدرات دفاعية مكافئة للولايات المتحدة الأميركية، بل تتطلب على المدى القريب تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة بما يكفي لردع روسيا عن شن أي عدوان على أراضي الاتحاد الأوروبي، وهو أمر ليس بعيد المنال.

تمتلك أوروبا جيشًا يضم قرابة مليوني جندي، هذا إضافة إلى ميزانية دفاعية ضخمة بلغت عام 2024 حوالي 326 مليار يورو، وهو ما يكفي لردع روسيا وتحويل أوروبا إلى قوة عسكرية كبيرة.

إلا أن العقبة الأساسية أمام تحقيق ذلك، تكمن في انقسام الجيوش الأوروبية التي نشأت جيوشًا قومية غير مصممة للدفاع عن القارة، وهو ما تترتب عليه أزمات في القيادة والتنسيق تجعل هذه الأرقام الكبيرة جيدة فقط على الورق وأقل فعالية على أرض الواقع، إذ إن أعدادًا قليلة من هذه الجنود يمكن نشرها بفعالية في ساحات المعارك، ولهذا فإن القارة العجوز بحاجة إلى مناقشة خيارات التجنيد الإجباري.

وفي ظل اختلاف المعدات العسكرية، ينصح بيرغمان بتوحيد المعدات وعقد تدريبات عسكرية مشتركة، هذا إضافة إلى القيام بعمليات دمج وإصلاح للقوات الأوروبية الحالية، حتى تبدو جيوشًا متماسكة وقادرة على القتال المشترك في أقرب وقت ممكن.

وفيما يخص التمويل المالي، اقترح بيرغمان زيادة النفقات الدفاعية إلى نسبة 2.5% أو تأسيس صندوق دفاع مشترك، تساهم فيه الدول الأعضاء بنسبة 1% من ناتجها المحلي.

وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، قد صرحت بأنها ستقدم في الاجتماع الطارئ الذي عقده قادة الاتحاد الأوروبي مؤخرًا، “خطة شاملة” لإعادة تسليح أوروبا بشكلٍ عاجل، كما أشار مفوض ميزانية الاتحاد الأوروبي بيوتر سيرافين إلى أن ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات السبع القادمة ستركز على مسألتي الأمن والدفاع الأوروبي، لكن تأثير هذه الميزانية الجديدة سيتضح بدءا من عام 2030، ولذا فإن ذلك يقع تحت نطاق الخطط الطويلة الأمد.

في نهاية تقريره يشير برغمان إلى أنه على المدى البعيد سيحتاج الأوروبيون إلى بناء قوة عسكرية كبيرة تشكل العمود الفقري للدفاع الأوروبي، ويجري تجنيد أفرادها من كل أنحاء القارة وفق عقيدة عسكرية تتماشى مع جيوش الدول الكبرى ومع هيكل قيادي مستقل على غرار حلف الناتو، وذلك حتى تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة في المستقبل، وهو الهدف الذي لن تتمكن أوروبا من الوصول إليه قبل تحقيق وحدتها أولًا.

شاركها.
© 2025 خليجي 247. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version