منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى سُدة الحكم في الولايات المتحدة والعالم يتعامل مع تصريحاته وكأنها جزء من عرض مسرحي دائم. رجل لا يشبه من سبقوه، لا في خطابه، ولا في أسلوبه، ولا حتى في فلسفته السياسية. هو أقرب ما يكون إلى رجل مبيعات ماهر، يعرف تماماً كيف يصنع الصفقة، ويهوى مفاوضات اللحظة الأخيرة، ويرى العالم كسوق مفتوح، لا كتحالفات أو توازنات تقليدية.
عندما يطلق ترمب تهديداً أو يوقع قراراً تنفيذياً بفرض رسوم جمركية على شركاء الولايات المتحدة الاقتصاديين، أو عندما يلوّح بإلغاء اتفاقات تجارية دولية، أو حتى يهاجم الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، فإن كثيراً من المحللين لا يأخذون تصريحاته كإعلان حرب اقتصادية حقيقية. بل يرون فيها ورقة تفاوضية، مدروسة بدقة، حتى إن بدت فوضوية على السطح.
هو رئيس لا يُخفي إعجابه برجال الأعمال الأقوياء، ويعتبر نفسه في مقدمتهم. وكل محلل يتتبع مسيرته قبل الرئاسة، سيجد أن فلسفته قائمة على الضغط والمساومة، ثم عقد الصفقة في اللحظة الأخيرة، بعد أن يكون الطرف الآخر شعر بالخطر. وهذا تماماً ما يفعله في السياسة الدولية.
ترمب لا يتعامل مع الدول باعتبارها شريكة لبلاده بقدر ما يراها كأطراف تفاوضية في صفقات كبرى. هو ينظر إلى الاتحاد الأوروبي، والصين، والمكسيك، وكندا، واليابان، وسائر شركاء أمريكا التجاريين كأرقام في معادلة حسابية: «كم يخسر الاقتصاد الأمريكي في هذه الاتفاقية؟ وكم يمكن أن نربح لو عدّلنا الشروط؟».
لهذا، فإن الكثير من تصريحاته النارية تكون محسوبة بعناية، وإن كانت مُغطاة بطابع درامي. قد يلوّح بالخطر لا ليفجّره، بل ليدفع الآخرين إلى طاولة التفاوض بشروط أفضل. وينجح عادة في ذلك، على الأقل في نظر مؤيديه.
تكمن المفارقة في أن خصوم ترمب غالباً ما يظنون أنه لا يملك خطة واضحة، بينما هو ينفذ أجندة اقتصادية تقوم على فك الارتباط بالتزامات أمريكا القديمة، وإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي بما يخدم «أمريكا أولاً». ولا يرى في ذلك انغلاقاً، بل إعادة توازن من وجهة نظره.
عندما تبدأ الأسواق بالقلق، أو تصدر تحذيرات من منظمات دولية، فإن ترمب يحاول تمرير تصريحات تحمل رسائل غير مباشرة تقول: «التهديدات الاقتصادية مجرد أدوات تفاوض، وليست قرارات حتمية». إنه يريد من العالم أن يتعامل مع تصريحاته على أنها عروض مفتوحة للنقاش: «هذا هو السقف، تفاوضوا معي لنصل إلى أرضية مشتركة».
في كثيرٍ من الأحيان، يساعد الإعلام في رسم صورة مضخمة لتصريحاته، لكنها صورة لا تخرج عن حدود ما يريد هو أصلاً. لأنه يدرك تماماً أن الاهتمام الإعلامي أحد أعمدة القوة التفاوضية. كلما ازداد التفاعل زادت الضغوط، وارتفعت مكاسب الصفقة المحتملة، ذلك لأنه يجيد اللعب في مساحة الغموض، ويستفيد من حالة القلق لفرض واقع جديد.
ترمب ليس سياسياً تقليدياً، ولا يؤمن بالبروتوكولات الكلاسيكية. هو ابن عالم الأعمال، حيث لا توجد تحالفات دائمة، بل مصالح متحركة. وهذا ما يجعل من الصعب توقع قراراته، لكنه يحب أن يجعل كثيراً من خصومه يخشونه، لأنهم لا يعرفون ما إذا كان جاداً أم يفاوض.
إن «الحرب الاقتصادية» التي يتحدث عنها البعض بعد فرض ترمب رسوماً جمركية مرتفعة على جميع شركاء بلاده، ما هي إلا طبول تُقرع لتبدأ جولة مفاوضات جديدة، وعلينا أن نفهم أنه آخر شخص يمكن أن يشعل العالم اقتصادياً، كل ما في الأمر أنه يريد أن يرى العالم يقف متأهباً، ثم يأتيه بالعروض، كما يفعل الزبائن في صفقات البيع الكبرى، ففي عقل (أبو إيفانكا) العالم سوق كبير، والسياسة مجرد أداة لتحقيق أفضل صفقة ممكنة!
أخبار ذات صلة