5/4/2025–|آخر تحديث: 5/4/202504:49 م (توقيت مكة)
في تحليل نفسي سياسي لافت، اعتبرت الدكتورة ليراز مارغليت، الباحثة في علم السلوك الرقمي بجامعة رايخمان في هرتسيليا الإسرائيلية، أن القلق الذي ينتاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا ينبع فقط من احتمال فقدانه للسلطة في حال فشله في تحقيق إنجاز عسكري في غزة، بل من خوف أعمق متعلق بفقدان “النموذج العقلي الذي بناه لنفسه منذ صغره، ويرى فيه نفسه مبعوثا من الرب يهدف إلى حماية الشعب اليهودي من الانقراض”.
وتؤكد الباحثة المعروفة بتحليلاتها حول الأمن والإستراتيجيات العسكرية، وخاصة فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني -في مقال بصحيفة “معاريف”- أنه “في حين أن الجمهور يهتم بشكل أساسي بمسألة بقاء نتنياهو السياسي، فإن الأمر الأكثر إثارة للقلق له هو فقدان المعنى وفقدان الشعور بأن حياته السياسية لها هدف تاريخي. ولذلك، فإنه من خلال اتجاهه للجبهة الإيرانية بالتحديد يستطيع إنشاء صورة لخطوة تاريخية لا تنسى، والتي ستعيد له دور المنقذ الوطني”.
الهروب نحو إيران
وكتبت مارغليت أن نتنياهو يدرك أن الحرب في غزة قد لا تنتهي بتحقيق “نصر واضح” أو إطلاق سراح جميع “الرهائن” مما يعني أنه سيبقى ملطخا في نظر الجمهور وصناع التاريخ بـ”وصمة عار لا تُمحى” الأمر الذي قد يدفعه -نفسيا أكثر منه إستراتيجيا- إلى خيار ثالث يعتقد أنه وحده قادر على محو هذا الفشل، وهو: ضرب المشروع النووي الإيراني.
وتضيف الكاتبة أن هذا المسار لا يستند فقط إلى حسابات عقلانية أو تقييمات أمنية، بل إلى ديناميكيات نفسية شخصية شبه وجودية، إذ يشعر نتنياهو بأنه إذا لم يكتب السطر الأخير في قصته السياسية بنفسه فإن التاريخ سيكتبه عنه، وربما بشكل يُنهي صورته كمنقذ قومي.
وقد استعانت مارغليت بمفهوم “لعبة الدجاج” في نظرية الألعاب، وهي حالة يندفع فيها طرفان نحو التصادم دون أن يتراجع أي منهما، ليصبح الاصطدام حتميا إذا لم يرمش جفن أحد.
وفي هذه الحالة -كما تقول- تلعب إسرائيل دور الراكب الثالث الذي يشجع أحد السائقين من الخلف مما يجعل اللعبة أكثر جنوناً وخطورة.
ووفق المقال فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يمثل عنصرا رئيسيا في هذه المعادلة. فبعد فوزه بالانتخابات، بات مستعدا لتحمل مخاطر أعلى، ويثق ثقة المفرطة بنجاحاته السابقة -مثل اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني– جعلته سجين “وهم السيطرة” معتقدا أنه قادر على إدارة التصعيد مع إيران دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
وبينما دفع هذا التوجه الولايات المتحدة لنشر قاذفات “بي-2” في جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي تحضيرا محتملا لضربة ضد إيران، ردت الأخيرة بتهديدات شملت مهاجمة قواعد أميركية في المنطقة، ولم تستثن إسرائيل من الرد.
وتعلق الباحثة الإسرائيلية على ذلك بالقول “ببساطة.. قد تجد إسرائيل نفسها متورطة في حرب لم تكن شريكة في قرار خوضها”.
عظمة الذات
بحسب الكاتبة، فإن نتنياهو عاش طوال حياته يردد سردية الذات “المرسلة من التاريخ لحماية إسرائيل” وقد بنى مجده السياسي على صورة الزعيم الذي يتنبأ بالخطر ويتفاداه. لكن بعد سنوات من الحذر، يعيش اليوم تحت ضغط شديد قد يدفعه لاتخاذ قرار غير مسبوق.
وتقول مارغليت “إذا لم تنته الحرب بصورة نصر واضحة، فإن هذه البقعة سترافق نتنياهو طوال حياته السياسية” وتضيف أن “نتنياهو قد يلجأ لضرب إيران ليس فقط كخيار إستراتيجي، بل كفصل أخير يصنع به خاتمة درامية لقصة حياته: وهي أنه الرجل الذي أوقف البرنامج النووي الإيراني”.
وتشير الكاتبة إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تتجاهل هذا السيناريو، بل تستعد لاحتمالاته، بما في ذلك “هجوم منسق على عدة جبهات” و”حزمة واحدة” من الردود الإيرانية، بحسب ما يتم تداوله داخل أجهزة الاستخبارات.
مفارقات وتوقعات
وترى مارغليت أن طهران تجسد ما تصفه بـ”مفارقة الفاعل الضعيف” إذ تتيح لها هذه الحالة اتخاذ مواقف متطرفة مدفوعة بثقافة “اقتصاد الشرف” حيث يُعتبر تحدي الغرب مكونا حيويا للبقاء السياسي للنظام الإيراني.
وتقول إن القيادة الإيرانية مستعدة لتحمل ضربة قاسية طالما أنها لا تُجبر على الركوع مما يجعل من الصعب ردعها، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيد على أي سيناريو مواجهة، خاصة إذا كان مصدر القرار فيه نفسيا وشخصيا كما هو حال نتنياهو.
وتختم مارغليت بأن على المحللين وصناع القرار ألا يكتفوا بحسابات الأسلحة والبطاريات أو نسب تخصيب اليورانيوم، بل أن يدرسوا العوامل النفسية التي تحرك الزعماء، وخاصة نتنياهو، الذي يشعر أنه إذا لم يختم روايته بنفسه، فالتاريخ سيفعل ذلك عنه، وربما لا يرحمه.
وفي ظل هذا المزاج، تقول الباحثة إن القرار الإسرائيلي التالي لن يكون بالضرورة أمنيا صرفا، بل قد يكون فصلا شخصيا أخيرا لمن يسابق الزمن ليحفظ مكانه في كتب التاريخ، ولو على حساب المغامرة بمستقبل المنطقة.