في ذاكرة الوطن، ثمة أسماء لا تُدوَّن بالحبر، بل تُنقش في وجدان الأمة بحروف من أثر.. والدكتورة سميرة إبراهيم إسلام، واحدة من تلك القمم التي سبقت زمنها، ومهّدت لجيل بأكمله أن يرى في المرأة السعودية عقلاً يقود، وضميراً يبحث، ومختبراً يكتشف. لم تكن مجرد باحثة في علم الأدوية، بل كانت المعادلة النادرة التي جمعت بين السبق والرسوخ، بين الطموح العلمي ونُبل الرسالة.

هي أول سعودية نالت درجة الدكتوراه عام 1970، في وقت كان الحلم نفسه ضرباً من الجرأة، فجعلت من العلم فضاءً لحريتها، ومن التخصص طريقاً للسيادة. لم تكتفِ باللقب الأكاديمي، بل حوّلت موقعها إلى منصة تأثير، ورسّخت حضورها في محافل الداخل والخارج، من جامعة الملك عبدالعزيز، إلى منظمة الصحة العالمية، إلى مراكز البحوث التي طالما جعلت من الإنسان السعودي محوراً لدراساتها الدقيقة.

أيقنت منذ البدء أن الدواء لا يعالج الجميع بالقدر ذاته، فخصّت السعوديين بأبحاثها، وذهبت عميقاً في فهم علاقتهم الوراثية بالمركبات الدوائية، وأرست بذلك علماً مستقلاً لم يكن حاضراً في العقل الطبي العربي. أبحاثها، التي تجاوزت السبعين، لم تكن أوراقاً علمية باردة، بل كانت وثائق حياة، تشهد على شغف امرأة جعلت من المختبر عالماً، ومن الشعب هدفاً، ومن المعرفة أمانة.

ورغم توالي التكريمات؛ من جائزة مكة للتميّز إلى لقب «شخصية المنتدى العربي للبحث العلمي»، كانت سميرة تتهجى الإنجاز بنبرة مختلفة: «لا أريد المجد لنفسي، بل أريد من يكمل هذا الدرب… لا أطلب الكثير، فقط كرسيّاً علمياً يحمل المشعل من بعدي». بتواضعها الكبير وعمقها النادر، كانت تقول أكثر مما تكتب.

لم تكن سميرة إسلام تبحث عن الضوء، بل كانت النور ذاته. رائدة لم تمشِ في الظل، بل صنعت الدرب. امرأة اختصرت المسافات بين الطموح والعطاء، بين الحلم والواقع، وبين الذات والوطن.

إنها ليست مجرد اسم في سجل الروّاد.. إنها التجسيد الأصيل لمعادلة الريادة العلمية في السعودية.

أخبار ذات صلة

 

شاركها.
© 2025 خليجي 247. جميع الحقوق محفوظة.